متجر فاصلة! ادخل الان وتصفح العديد من المتاجر والمكتبات من منصة واحدة

رحلَ وهو يكتُب..

من الأمس وصورة محمّد أبو الغيط ماثلة أمامي، كتاباته، حياته والكلمات الأخيرة التي كان يرثي فيها نفسه ويطيل بها أثره .

قلّة هم من يستطيعون أن يحكو لنا الملحمة حين يكونون أبطالها؛ أدوار البطولة في الغالب لا تبقي لهم وقتا ليخلّدوا ما يعيشون..

محمّد من تلك القلّة.. وجوهر بطولته يكمن في ذلك؛ إذ أنّه خاصم المرض لآخر لحظة وافتك منه دليل نصره؛ أن يبقى إنسانا كاملا يستجيب لما بعد الراحة والألم..يستجيب للمعنى الخفي وراء كل ذلك..

لحقتُ متأخرا بقصّة محمّد، لحقت بها بعد أن أٌسدل الستار على آخر مشاهدها، فلم تكن معرفتي به قبل يوم أمس إلّا كونّه أحد شباب ثورة يناير الذين دفعتهم الثورة ليكبروا قبل أوانهم ويشتبكوا بمسارات التغيير ثم السجن أو النفي والاغتراب..

والحقيقة أنّ لحاقي المتأخر هذا دفعني لأخذ جلّ يومي قراءة له أو عنه …

بين ما كتبه محمّد وما كتب في نعيه توافق خفي ظاهر، في أنّنا أمام شاب فريد من أبناء جيلنا، إنسان تجتمع عنده البساطة والموهبة، الهدوء والجسارة، الرضا وانطلاق الطامحين..

إنسان مقبل على الحياة إلى آخر نفس يملكه، لا يٌنسيه هذا الإقبال الإلتفات لأبسط تفاصيلها، يتحدث بنفس الإلهام والنبوغ والعاطفة عن أحداثها الكبرى وقصصها الصغيرة المنسية…

قلم محمّد الذي التفت في عنفوان الثورة وجموحها للتعتيم الإعلامي على شريحة واسعة وكبيرة من أبناء الشعب البسطاء الذين أذكوا الثورة ومنحوها المهج والأرواح في تدوينته الشهيرة ” الفقراء أولا..”؛ هو نفس القلَم الذي التفت في خضم معركته الأخيرة مع مرضه؛ بكل آلامها وعنائها و متاعبها ليكتب لنا عن يومياته وتفاصيلها البسيطة والملحمية، وليحكي لنا عن أبطالها ..عن زوجته وابنه…والديه وإخوته ..أطبائه وأصدقائه…بل حتى عن أبنائه الخضر (نباتاته) 

جمع محمّد بين الطب والكلمة واختار أن يعيش الحياة مفتوحة على كل تجاربها ..الثورية والمهنية والإنسانية … 

هذا الرباط الوثيق بين الطِب والكلِمة وحبِّ التجربة صاحبه فيما بعد لآخر حلقات حياته؛ وهو يقصّ علينا بقلم الطبيب الأديب مراحل مرضه بكل دقائقها ومفرداتها، و باختلاف معجمها؛ انتقالا بين  أسماء الأدوية والتجارب العلاجية إلى تلك النكت الطريفة و الاقتباسات العبقرية اللطيفة ..

قلمٌ فريدٌ مٌلهِم،، يٌنسى القارئ لِما يخطّه أنّه يقرأ قصة لكاتب يحكي بطولته، ويصف آلامه،  ويروي تفاصيل  انتصاراته مع غريمه ( أدينوكارسينوما ) وخيباته معه،  كل ذلك وهو راقد على سرير مرضه يصحو ويغيب…

لقد ورّط محمّد قرّاءه؛ ووضعهم أمام الرٍهان الصعب، بين الإعجاب به كاتباً وأديباً؛ وبين الحزن لأجله مصاباً ومريضاً، ولكنّها ورطة جميلة كسب بها القلوب على تفرقها حال الإعجاب وحال الحزن، علّم فيها متابعيه كيف أنّ الحياة الكاملة هي تلك التي نحياها معا بكل تفاصيلها ومراحلها ..ساعة اقبالها أو رحيلها…حال اليسر أو العسر..وفي حياتها معا بعض عزاء وسلوة. 

لقد حدّق صاحبنا في عين الموت طويلا ..ولكنّه آثر أن يخترقه ويتجاوزه ليرى النور الذي بعده، وليختار لعنوان رحيله كلمات لا تتعلق بالرحيل بل بالإقدام… ليكتب “أنا قادم أيها الضوء”. 

” لماذا أكتب؟

أكتب لأنّ الكتابة هي أثري في الحياة، هي أهراماتي الخاصة، فإلى متى ستبقى منتصبة من بعدي؟

الكتابة هي محاولتي لمغالبة الزمن والموت بأن يبقى اسمي أطول من عدد سنوات حياتي التافهة مقارنة بعمر الكون الشاسع المقدر حاليا بـ 14 مليار سنة.

أعرف أني مهما عشت فإن حياتي، والعالم كله، كذرة غبار لا تُرى على شاطئ ذلك الكون الفسيح. لكن الكتابة قد تجعل ذرتي ألمع بين باقي الذرات على الأقل.

هذه صيحتي: محمد أبو الغيط مرَّ من هنا!”

رحمه الله وبارك أثره وغرسه ولطف بأهله وابنه ..وجعل النور جزاءه ومنزله…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عن محمد أبو الغيط:
طبيب وصحفي وكاتب مصري. تخصص في الصحافة الاستقصائية وشملت تغطياته حول العالم قضايا تجارة السلاح الدولية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتطرف، وتحقيقات الفساد وتتبع الأموال. عمل مدققًا للحقائق، وأشرف على إنتاج تحقيقات ودرَّب صحفيين لصالح عدة مؤسسات، كما عمل بمجال الإنتاج التلفزيوني لقنوات عربية وأجنبية، وكذلك عمل مذيع راديو عبر الإنترنت.

محمد كمال الدين
مهندس عمارة وتخطيط عمراني، مهتم بقضايا ومشاريع الفكر والفن والسياسة.